CHAIRMAN: DR. KHALID BIN THANI AL THANI
EDITOR-IN-CHIEF: PROF. KHALID MUBARAK AL-SHAFI

Views /Editor-in-Chief

رحل الأمير الوالد... وبقي ارثه في ذاكرة الوطن

Prof. Khalid Al-Shafi

16 Jul 2026

   ببالغ الحزن والأسى، ودّعت دولة قطر والأمة العربية والإسلامية رجلاً صنع من الصحراء عاصمة، ومن الحلم حقيقة. سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير الوالد

 في لحظات الفقد الكبرى، لا يغيب الرجال الذين صنعوا التاريخ، بل يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى إرث تتناقله الأجيال. وبرحيل الأمير الوالد، تفتح قطر سجلا خالدا من الإنجازات التي ستظل شاهدة على رجل غيّر مسار دولة، وأعاد رسم مكانتها على خريطة العالم

   حين تولى سموه مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995، كانت قطر دولةً طموحة تبحث عن آفاق أوسع. ولم يمضِ عقد حتى أصبحت الدوحة عنوانا حاضرا في السياسة والاقتصاد والإعلام والرياضة، و اسما يفرض حضوره في دوائر القرار الإقليمي والدولي

آمن الأمير الوالد رحمه الله بأن الثروة الحقيقية لا تُستخرج من باطن الأرض، بل تُبنى في عقول البشر. فجعل الإنسان القطري محور التنمية وغايتها، واستثمر في التعليم والمعرفة، لأنه كان يؤمن بأن الشباب هو المستقبل

وقد وضع الأسس التي نقلت قطر إلى مصاف القوى الاقتصادية العالمية، مستثمرا ثروة الغاز برؤية استراتيجية بعيدة المدى، فشيّد اقتصادا متينا، ودولة مؤسسات قادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل

وفي السياسة والإعلام، ترك سمو الأمير الوالد إرثًا سيظل حاضرا في تاريخ المنطقة. فقد شكّل إطلاق قناة الجزيرة نقطة تحول فارقة في المشهد الإعلامي العربي، إذ أعادت صياغة مفهوم الخبر، ووسّعت هامش الحوار، ومنحت الرأي والرأي الآخر مساحة غير مسبوقة، لتصبح أحد أكثر المنابر الإعلامية تأثيرا على المستويين العربي والدولي

أما في السياسة الخارجية، فقد انتهج رؤية تقوم على التوازن والانفتاح والحوار، ورسّخ لقطر دورًا فاعلًا في الوساطة وتسوية النزاعات. وبفضل هذا النهج، غدت الدوحة منصةً للدبلوماسية، ووجهةً للمفاوضات، وصوتا يدعو إلى السلام في منطقة أنهكتها الصراعات

أما في الرياضة، فقد تجاوزت رؤيته حدود المنافسات، عندما آمن مبكرا بأن قطر قادرة على استضافة أكبر حدث رياضي في العالم. وكان حلم استضافة كأس العالم 2022 شاهدا على أن الإرادة الصلبة تستطيع أن تحول المستحيل إلى واقع، وأن الدول تُقاس بعزيمتها لا بمساحتها

ولعل أحد أكثر مواقفه رسوخا في التاريخ كان قراره في الخامس والعشرين من يونيو 2013 بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة جسدت أرقى معاني الحكمة، ورسخت نموذجًا فريدًا في الانتقال السلس للمسؤولية، بما عزز استقرار الدولة واستمرارية مسيرتها

عرفه القطريون قائدًا قريبًا من شعبه، بسيطًا في حضوره، عميقًا في رؤيته، ينظر إلى المستقبل بعين القائد الذي يبني للأجيال لا للحاضر وحده

قد يرحل الإنسان، لكن الأوطان التي أسهم في بنائها ويبقى الارث راسخا. رحلت الجسد وبقيت المدن التي شيدها، والجامعات التي أُسسها، وترسخت المؤسسات والسياسات التي صنعت مكانة قطر، شاهدا حيا على قائد ترك أثرا يتجاوز حدود الزمن

رحم الله الأمير الوالد، وجزاه الله عن وطنه وأمته خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته. وسيبقى اسمه محفورا في ذاكرة قطر، لأن القادة العظماء لا يموتون، لأنهم يزرعون أوطاناً تعيش بعدهم